
تسير إليه عند فجر كل يوم ، لطالما وجدته وهو يخاطب من حولَه بلغته الخاصة وأحيانا يهدر ويزمجر ويتوعّد ويهدد ، عبر الطريق المنحدر وبين البنايات المنتصبة كالجبال تمشي كل يوم بخطوات وأنين خافت ينفلت من بين شفتيها شاحبا رقيقا، أحيانا تلتفت يمنة ويسرة إلى البنايات وأحيانا تتفل عليها مبدية حنقها وغيضها من كثير من هؤلاء الذين يملكون كل هذه البنايات الفخمة فقط لقضاء بعض أيام السنة في حين لايجد بقية الناس سكنا يأويهم ويضطر البعض منهم للسكن بداخل المقابر .. تسير إليه كل يوم فجرا ، وتظل جالسة قبالته تمارس طقوسا غريبة تذرو الرمال في وجهه وتطلب منه أن يعيد إليها ما اغتصبه منها ، وفي أحايين كثيرة تضمّ الرمل والحصى المخضّب بلون الزفت والقطران إلى صدرها فتتحوّل إلى مومياء من رمل …اليوم ساقني الفضول لأبحث عنها كنت أروح وأجيء على المكان الذي ألفت وجودها عنده متتبعا أثرها كأعرابي يبحث عن ضالته في فلاة …
قلت في قرارة نفسي ، لعلّ المسكينة قد نالت مرادها منه فانتهت عن المجيء ، ولعلّ حالتها الصحّية قد زادت تدهورا فأقعدتها الفراش ،أو لعلّ الخنازير قد هاجمتها وهي تسلك الغابة الكثيفة نزولا من كوخها المنتصب في أعالي الجبل بين العشرات من أكواخ الصفيح لأناس يواجهون صعوبات في الحياة ، فنهشت جسمها الضعيف وأردتها أشلاء من لحم وعظام … قلت أيضا ، لعل المسؤولين المكلّفين بتوفير السكينة لروّاد الشاطيء قد أحرجهم منظرها فقرّروا ترحيلها أو حجزها في مكان ما وقلت أيضا لعل البحر قد أشفق لحالها المكسورة فقرّر أن يجذبها إليه ويسكنها في جوفه المتسع والعميق ….
الناس أكثروا فيها الأحاديث ، ومن أكثرها تداولا أنهم ظلوا يردّدون بأنّها امرأة ممسوسة ومجنونة ألهبهم وأشعل تخيّلاتهم عطفها الكبير والظاهر على الحيوانات بإعطائها الماء والغذاء حتى أضحت رفيقها الدائم تسير وراءها في جو تآلفي واضح للعيان ،، يقولون أيضا أنها أم لابن وحيد وأرملة لرجل من الصيادين الذين اشتغلوا بركوب البحر على متن قوارب صيد قديمة ومترهّلة وأن الرجل الذي قضت معه زهرة عمرها وهو يقص عليها غرائب البحر ويشوي لها أسماكه الطازجة على الجمر ويبادلها الضحكات يكون قد سكن البحر ,وآوى إلى أعماقه السحيقة وعالمه الرهيب والغريب بعد أن خلّف معها إبنا وحيدا ، ولم يعد له ذكر بين الناس إلا عندها هي ..
الإبن الوحيد عاش مرارة اليتم ، وظل يسلك نفس الطريق الغابي نزولا إلى الطريق المعبّد بمحاذاة الشاطيء ليسير بضع عشرات من الكيلومترات وصولاإلى المدرسة ، لقد قضى عمر الصبا وهو يغادر ال













