رجاء قبالة البحر ….
كتبهاmohamed marouf ، في 23 سبتمبر 2009 الساعة: 12:14 م

تسير إليه عند فجر كل يوم ، لطالما وجدته وهو يخاطب من حولَه بلغته الخاصة وأحيانا يهدر ويزمجر ويتوعّد ويهدد ، عبر الطريق المنحدر وبين البنايات المنتصبة كالجبال تمشي كل يوم بخطوات وأنين خافت ينفلت من بين شفتيها شاحبا رقيقا، أحيانا تلتفت يمنة ويسرة إلى البنايات وأحيانا تتفل عليها مبدية حنقها وغيضها من كثير من هؤلاء الذين يملكون كل هذه البنايات الفخمة فقط لقضاء بعض أيام السنة في حين لايجد بقية الناس سكنا يأويهم ويضطر البعض منهم للسكن بداخل المقابر .. تسير إليه كل يوم فجرا ، وتظل جالسة قبالته تمارس طقوسا غريبة تذرو الرمال في وجهه وتطلب منه أن يعيد إليها ما اغتصبه منها ، وفي أحايين كثيرة تضمّ الرمل والحصى المخضّب بلون الزفت والقطران إلى صدرها فتتحوّل إلى مومياء من رمل …اليوم ساقني الفضول لأبحث عنها كنت أروح وأجيء على المكان الذي ألفت وجودها عنده متتبعا أثرها كأعرابي يبحث عن ضالته في فلاة …
قلت في قرارة نفسي ، لعلّ المسكينة قد نالت مرادها منه فانتهت عن المجيء ، ولعلّ حالتها الصحّية قد زادت تدهورا فأقعدتها الفراش ،أو لعلّ الخنازير قد هاجمتها وهي تسلك الغابة الكثيفة نزولا من كوخها المنتصب في أعالي الجبل بين العشرات من أكواخ الصفيح لأناس يواجهون صعوبات في الحياة ، فنهشت جسمها الضعيف وأردتها أشلاء من لحم وعظام … قلت أيضا ، لعل المسؤولين المكلّفين بتوفير السكينة لروّاد الشاطيء قد أحرجهم منظرها فقرّروا ترحيلها أو حجزها في مكان ما وقلت أيضا لعل البحر قد أشفق لحالها المكسورة فقرّر أن يجذبها إليه ويسكنها في جوفه المتسع والعميق ….
الناس أكثروا فيها الأحاديث ، ومن أكثرها تداولا أنهم ظلوا يردّدون بأنّها امرأة ممسوسة ومجنونة ألهبهم وأشعل تخيّلاتهم عطفها الكبير والظاهر على الحيوانات بإعطائها الماء والغذاء حتى أضحت رفيقها الدائم تسير وراءها في جو تآلفي واضح للعيان ،، يقولون أيضا أنها أم لابن وحيد وأرملة لرجل من الصيادين الذين اشتغلوا بركوب البحر على متن قوارب صيد قديمة ومترهّلة وأن الرجل الذي قضت معه زهرة عمرها وهو يقص عليها غرائب البحر ويشوي لها أسماكه الطازجة على الجمر ويبادلها الضحكات يكون قد سكن البحر ,وآوى إلى أعماقه السحيقة وعالمه الرهيب والغريب بعد أن خلّف معها إبنا وحيدا ، ولم يعد له ذكر بين الناس إلا عندها هي ..
الإبن الوحيد عاش مرارة اليتم ، وظل يسلك نفس الطريق الغابي نزولا إلى الطريق المعبّد بمحاذاة الشاطيء ليسير بضع عشرات من الكيلومترات وصولاإلى المدرسة ، لقد قضى عمر الصبا وهو يغادر الكوخ عند الفجر ولايعود إليه إلاّ بعد الغروب وقد أنهكه التعب وعذّبته نوبات الهلع التي طالما تعرّض لها وهو يسمع خرخشة خشاش أو نعيق بومة في الغابة ، في العطل وأثناء مواسم الإصطياف كان يقضي نهاره بائعا متجوّلا لبعض الحاجات للمصطافين ولم يكن يخفي غيرته من هؤلاء الوافدين من وراء البحار واندهاشه منهم من كثرة مشترياتهم من غير مساومة ولا مناقشة وكيف أنهم لايعرفون للفاقة سبيلا ، وفي يوم من الأيام عاد وهو يقول لأمّه في لهفة …
ـ هاكي هذه النقود ضعيها جانبا وحافظي لي عليها .
ـ لم يا ولدي ، تريد الزواج مبكّرا هاه .
ـ الزواج أي زواج لبطّال وصغير سن ويتيم مثلي ؟
ـ حتى أبوك كان يتيما وصيّادا أعزلا وتزوّجني .
ـ لاسبيل لمقارنة حياتكم بحياتنا نحن .
ـ وما قصدك من جمع الدراهم يا ولدي ؟
ـ بهذه الدراهم ستسكنين في أي مكان تختارينه وسنشتري سيارة وسنتبضّع من غير حسابات …
ـ بهذه الإثنين دورو تريد أن تلبّي كل هذه الرغبات ؟
ـ سأضيف عليها عائد كل يوم ، سأتدبّر الأمر ، ستون ألف دينار فقط …
يقولون أن ابنها * الهوّاري * واصل دراسته الإكمالية والثانوية ثم الجامعية وتخرّج من الجامعة وأنهى الخدمة الوطنية ، لقد كان رقما معروفا بين زملائه وكان مثل ابيه الصيّاد صاحب صبر كبير إذ ظل يطرق أبواب المؤسّسات والإدارات ويجري المسابقات من أجل التوظيف لكن بدون جدوى لم تخنه قدراته ومستواه المعرفي فقط لأنه مقطوع من شجرة كما يقولون ومشكلته أنه ليس من ذوي الحقوق في كل شيء وذوي الباع في التوسط والإرشاء …
يسير إليه عند الفجر ، لطالما وجده وهو يواجه صخور الشاطيء ورماله ويناياته بتغيّظه وتأفّفه ، يبادله نظرة رجاء قائلا له ..
أيّها البحر ، يا مخلوق الله إسمعني جيّدا ، أنا الهوّاري إبن العربي ، الجزائري الموطن ، الصيّاد الذي صار جزءا منك بعدما اختطفته في يوم عاصف ، وبعد أن سدّت السبل في وجهي ووجدت نفسي إبن لاشيء مقابل تصنيف الأبناء إلى أبناء وأبناء أريدك أن تكون عطوفا بي وأن تمنحني فرصة الوصول إلى الشاطيء الآخر بإذن الله ..
يقولون أن الهوّاري ركب البحر لسنين عدّة وكان يعود بأندر الأسماك وأغلاها وأنّه تزوّج حبّا في أمه وأنه عدّ في عداد المفقودين تاركا امرأة حبلى بجنين في بطنها أوصى الناس وأشهدهم أنه من صلبه وأنه ينبغي أن يعطى له إسم فاروق ابن علي إبن العربي الجزائري ….
اليوم وبعد أن أدّيت صلاتي في مخدعي ، سرت إليه كما سارت وسار ، وجدته يرغي كالجمل ويصيب بزبده رمال الشاطيء وصخوره الصلدة ، بحثت عنها كان المكان فارغا وموحشا جدّا ، لم أجد لها أثرا غير آثار أقدام صغيرة محفورة في الرمل ، لم أتوسّل إليه بل توسّلت لله رب العالمين … حسبنا الله ونعم الوكيل …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 23rd, 2009 at 23 سبتمبر 2009 1:29 م
سلام الله عليك ورحمته وبركاته
تحيــة مكتوبة بعطر القلب
جميل هذا الإبداع المتألق الذي يتناول إنسانية
الإنسان بكافة أبعادها باسلوب متجدد
عبر شاعرية فذة ونفس عميق شعريا
نصوصك المتجددة توسع من مداركنا
لكثرة مانفكر في معانيها
سبتمبر 23rd, 2009 at 23 سبتمبر 2009 1:30 م
لهذا النص طعم آخر غير الذي عهدته في نصوصك
وأجدني أغوص في كلماته باحثة عن موطئ حرف ..
رائع هذا النص بما يحمله من مشاعر
وبطريقة اصطياد الصورة التي تلفه من أوله إلى آخره..
سبتمبر 23rd, 2009 at 23 سبتمبر 2009 1:38 م
أجدك دوما تحمل كفاءة عالية في فهم النصوص وبالتالي الوصول السريع الى المعنى والفحوى مما يجعل الاحاسيس المبعثرة بين السطور تكون كدر منثور على مرج أخضر
أبسط لك عباءة الشكر موشاة بأكاليل زهوري
وفقك الله وزادك بهاء
سبتمبر 23rd, 2009 at 23 سبتمبر 2009 2:17 م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك يا ابن البلد الطيب
سلمت يمينك
وفقك الله وسدد خطاك
اسعد ربي
سبتمبر 23rd, 2009 at 23 سبتمبر 2009 3:07 م
أخي محمد معروف : قصة قصيرة ذات هدف ومغزى رائعين ,,, حكاية البحر مع الصياد ,,, هي حكاية امة تحيطها البحار من كل جانب ,,, لكنها جوعى للسمك واليود والاكسجين ,,, فالبحر يعني الخير والبركة والعطاء ,,, الا في بلاد امة ما بين المحيطين ,,
فهي النقمة والقهر والاستغلال والاستعمار ,,,
اشكر لك بوحك الرائع والذي تشوبه موجة ضباب كثيف ,,, لكن الامل اقوى من الاكتئاب ,,
كل عام وانت بخير ,,, فقد انساني مقالك الرائع معايدتك ,,,
تقبل تحياتي وتقديري ,,,
سبتمبر 23rd, 2009 at 23 سبتمبر 2009 5:51 م
ياقوت القلوب بهذه الثلاثية من التعليقات العامرة بالمشاعر الفيّاضة حول هذا النص المتواضع ، والموشّحة بعبارات الإطراء نجدك تدفعيننا دفعا للبحث عن شرفات أنسب للكتابة وتشريفكم بما هو أجمل …
جميل تحياتي ..
سبتمبر 24th, 2009 at 24 سبتمبر 2009 12:35 م
اسّي محمد نهارك فل و صحا عيدك انت و الزوار نتاوعك.
أنا رايي من راي ياقوتة ، هاذ النص من أحسن ما قريت لك.ولاّ تقدر تقول هو أحسن نص قريته لك من نهار تعرفت عليك.
تهلاّ في روحك.
سبتمبر 24th, 2009 at 24 سبتمبر 2009 5:21 م
مواطن عادي صحّّا عيدك …
أراك عصيّ الإدراج شيمتك الإقتار … فمالي عليك صبر ولا انتظار .
شوف الحاصول زيّرتوني بزّاف أنت والياقوت وصوّاق البَل هذاك الشاعر الذي يمتح من أصول اللغة العربية يحسن ويتقن نظم الشعر …ياراجل أنا كلاسيت كاتريام عند مخلوف عامر صاحب القلم الأحمر وبواحد النص سميته *سجين في بحر العتمة * وواقيلا والله أعلم الناقد كي تظلام عليه يعطي زيرو …المهم راني نشكركم على التسجيع نتاعكم وGاع نحو إنعاش التدوين في بلادنا …
سبتمبر 24th, 2009 at 24 سبتمبر 2009 6:31 م
اخي الكريم محمود .
قصة جميلة … اسقاطتها جميلة … قد تكون تعبيرا عن حالتنا … وهواننا على الناس وتشردنا .
دمت بخير .
أكتوبر 2nd, 2009 at 2 أكتوبر 2009 7:08 ص
الاخ العزيز
محمد
مرور تواصل واطمئنان
تحياتى لك
اكرم
أكتوبر 17th, 2009 at 17 أكتوبر 2009 6:18 ص
صباح الخير على أهل الخير.
أراني لم أعد عصي الإدراج
……………..وْ راني حلّيت الباب نْتاع الGراج
و أجدني باير ما لْقيتش شكون يْشوف تْصاويري
نتمنى تكون بخير.
أكتوبر 20th, 2009 at 20 أكتوبر 2009 5:27 ص
سلام اللـه عليك ورحمته وبركاته
تحيـة قطفتها من ندى الفجر
الاخ معروف لا اعلم كيف افيك حقك …
ولكن لك مني امتنان يعقبه امتنان لشخصك الكريم
سحرني الحرف هنا … وبقيت أنصت لها طربا
تقديري واحترامي